!نعتذر، محرك البحث لم يستطع العثور على نتائج مطابقة

٢٥ حزيران ٢٠١٨

بعد مرور جميع ركاب الطائرة من شبابيك فحص جواز السفر (Passport Control) في مطار العاصمة يريفان في أرمينيا، كنت ما زلت أقف أمام سبعة من موظفي الجوازات الذين أنهوا عملهم بعد مرور بقية المسافرين وتجمعوا عند شباك رقم واحد حيث كنت أقف أقيس احتمالات الدقائق التي ممكن لسائق التكسي المرسل من قبل الجامعة أن ينتظرني فيها خارج المطار قبل أن ييأس من قدومي. كان عمال المطار بالاضافة الى أربعة عشر عيناً تتفقد أي احتمالية لكوني مسافر غير عادي وتؤخر حقيقة كوني مدعو من جامعة يريفان كما تدعي رسالة الدعوة التي اهترت بين أيديهم  فاهترت معها بهجتها التي غمرتني عندما وصلتني أول مرةٍ على حساب الـGmail.

كانت ترجمة السؤال المتعثر بين عينيهم على خانة البحث في الكمبيوتر: فلسطيني؟ والنتيجة: نعتذر، محرك البحث لم يستطع العثور على نتائج مطابقة! كانوا يحاولوا أن يجدوا لي خانةً في أبجديتهم وتعريفاً يقبله جهاز الحاسوب ويتبادلون فحص جواز السفر بتمريره عبر عدسات مكبرة واّلات غريبة وكأن التكنولوجيا تخون منطقها وتشاركهم الحيرة التي هم فيها، ويعيدون الي النظر كل تارةٍ عَلّهم يتمكنوا من أن يسرقوا من وجهي دلالةً في خضم الحيرة التي عقبت كفر نظم التكنولوجيا في تأكيد شكوك عضوية، يبدو أن هذه الملامح الشرقية والبشرة السمراء هي نذير لجوء وهجرة، وأنا محتار أحاول ترتيب الصلة بين أربعة حروف ومئة وتسعون سنتمتراً، وهم محتارون حول أسئلة لا يعرفوا كيف يطرحوها، كنا بطريقة ما نعمل معاً انا وهم في ايجاد تعريف لي، ونفكر في نفس السؤال: من أنا؟

لطالما ذكرتني هذه الصيغة من الأسئلة الوجودية بـالرئيس السابق للجماهيرية الليبية معمر القذافي، الذي مات وقد استعصى عليه استيعاب حقيقة أن هناك من الشعب من لا يحبه، فتساءل بصوت عالي: من أنتم؟ كيف لكم أن تكونوا موجودين، ولم يسأل نفسه من أنا؟ ولعله خلال 42 عاماً من الحكم لم يسمع في حياته سوى المديح والاطراء، فاستحال عليه التخيل أن المحيطين به أحاطوه بالكذب، فقد يكذب أحدهم مرة... أو مئة، ولكن لا تكذب ثلة من الناس على مدى 42 عاماً، اذن لا بد أنني كنت أستحق كل هذا المديح، فصعد بشعور العظمة الى أعالي الأعالي حيث لم يصل أحد من قبل، وربما هناك وحيداً في العلو  شعر بالاغتراب، فتجلت له بعض الأسماء لكي تؤنس علاقته بمكانه العليّ "القائد الأممي..وعميد الحكام العرب.. وملك ملوك أفريقيا.. وامام المسلمين".

درويش الذي أدمن التيه بين أوراقه الثبوتية فأتقن لفظ الأزمة..، وأكثر ما تجلت جدلياته حول طموح الحبر.. في ديوان "حضر الغياب" الذي تحدث فيه عن اخفاق الورق في سند الذات " فرأيت إلى نفسك في المطار التالي شخصاً غير مرغوب فيه، لافتقار الوثائق إلى فقه الربط بين الجغرافيا وأسمائها: فمن وُلِدَ في بلد لا يوجد.. لا يوجد هو أيضاً"[1]،  وكلما أنبهه قلبه المريض بقرب الرحلة الأخيرة، أكثر الحفر عن الهوية، بدءاً من محمود العربي الفلسطيني اللاجئ الى محمود الاسم ذي الخمسة أحرف والعائلة والجينات وحبل الغسيل والحب والجسد، فمرةً قال أنا أحمد العربي، ومرة أخرى قال: من أنا؟ أنا ابن أمي.

 

وبعد مرور اثنين وعشرين دقيقة، جاء السؤال الأول كالاّتي: عذراً، هل هذا جواز  سفر أم وثيقة سفر؟ فأجبت بعد ثلاث ثواني: اه.. جواز سفر وقد شَجَّ في نطقي شجن بحة شتت ثقة الحروف، فأعدت تجنيد القول مشدداً من وطئ الفتحة على الجيم والسين والفاء: جَـواز سَـفر فَـلسطيني، وكانت المرة الأولى التي أنتبه فيها أن الجواز الفلسطيني وعلى نحو مختلف لجوازات الدول الأخرى يُكتب على غلافه باللغة الانجليزية جواز سفر (Passport) وتحتها كلمة وثيقة سفر (Travel Document)[2]، والخيار لكل دولة على حدة بالتعامل معه بالهوية التي تسميها. وما الفرق الكبير؟ وكيف يظن هؤلاء الذين أمامي حول هذا الجواز أو الوثيقة؟ وهل هم تعرضوا لهذا الموقف أثناء رحلاتهم؟ وبماذا يفكرون؟ وأنا لا أستطيع فهم اللغة التي يتحدثوها، يا ترى ماذا يقولون؟ وعلى الفور تبين لي أن ما كانوا يقولونه هو أنه من الأفضل نقلي لغرفة توقيف حيث سيتطلب الموضوع وقتاً للتيقن من أمر هذا الجواز.

الفلسطيني في المطار معتاد دائماً على اعادة طرح أسئلة تتعلق بالهوية، وعلى تردد الأسئلة على محيى موظف الجوازات في المطارات عند تلقفه للجواز الفلسطيني، خصوصاً عندما يكون شعار النسر وكلمتي "السلطة الفلسطينية" على جواز السفر قد بهتت جراء كثرة ترحل جواز السفر بين يدي المحتل الاسرائيلي والجانب الأردني على معبر "الكرامة" ما يزيد من حمولة الظن في حدقتي موظف الجوازات، فنوعية جودة الجواز لا تساعد على الهام حامله العتيد على انتشال الفأل التي قد يحتاجه.  

أترقب دائماً المشهد الذي يُسلم فيه جواز السفر عبر الشباك، جواز ألماني.. بلجيكي.. أردني.. مغربي ومن ثم جواز مكتوب عليه بالانجليزية "السلطة الفلسط.." ، فألحظ تغير المسافات على ملامح موظف الجوازات، كرفع حاجب واحد للأعلى أو رفع رأسه واعادة النظر  لي بتركيز بعد رؤية الجواز الذي لا يشبه تعريفه للمألوف: كدولة، جمهورية، مملكة..إلخ، وقد يتبع ذلك اتصال هاتفي للتحقق من حكاية هذا الدفتر، وقد يخرج الموظف من مقعده لينقل عدوى الحيرة الى زملاءه، وفي تلك اللحظة تقف أنت وحدك أمام الشباك وتأخذ وقتك بينما ترى المسافرين الاّخرين لا يدركون قلة الثوان التي يمضوها للمرور، لتنتهي وحدك كعلامة تعجب على اّخر الطابور، وقد تشاء صدف المطارات أن تجد رفيق لك مستوقف على أحد الشبابيك فتطمئن قليلاً حيث تشعر بأنك لست وحدك في هذا المطار.

كل شيء يبدو طبيعي، في مقاهي المطار تجتمع اللغات المختلفة على ابتسامة طارئة أو فنجان قهوة، وفي السوق الحرة يشتري الأمريكي لوحاً من الشوكولاطة وقد يشتري فلسطيني من بعده زجاجة عطر، وقد يلتقط أرجنتينياً غرضاً أسقطه فلسطيني بالخطىء دون أن يشعر وينبهُهُ فيتبادلان الشكر والعفو، وقد تساعد فلسطينية تتقن الفرنسية كمبودياً في قراءة ملصق على منتج فرنسي، وبعد أن يظهر على الشاشات المنتشرة في أروقة المطار أن خطوط الـ “Check in” قد فتحت للمسافرين على فيينا عبر الخطوط النمساوية، حينئذ يشعر البعض أن هذا المطار مطار أبوهم بينما تُشعر فقرة الاستجواب على شباك المرور لمسافر اّخر أنه "مش معزوم".

"...لم يعرفوني في الظلال التي تمتص لوني في جواز السفر"

ساعات قبل الوصول الى أرمينيا، كنت في مطار الملكة علياء في الأردن أول الواقفين على صف ال “Check in”، وبعد أن وضعت حقيبتي في المكان المعد لقياس الوزن وسلمت جواز السفر جاء السؤال التالي: الى أين؟ فأجبت: الى أرمينيا؟ لماذا؟ ورشة عمل مع جامعة يريفان، فقال مندوب السفارة النمساوية لدى الأردن: ولكن ربما عند نزولك لتغيير الطائرة في فيينا أن تقوم بحرق جواز السفر وأوراقك الثبوتية وتقدم للجوء، من أنا؟ مجدداً أُدفع للتفكر بالهوية في مكان لا يسمح باتاحة حيز للتأمل، أنا اسمي كذا وأسكن في رام الله وأنا مسافر الى أرمينيا بدعوة من الجامعة وسأنزل في فيينا فقط لتغيير الطائرة (أي ترانزيت)، والجامعة هي التي حجزت لي مع الخطوط النمساوية ولست أنا من اخترت ذلك، ومن ثم أنني سافرت بتأشيرة الشنغن هذه الى أوروبا من قبل وعدت بها ودرست في أوروبا ودائما دائماً اخترت... أن أعود. وكان الجواب كالتالي: النمسا هي بلدي ولن أغامر، انا اّسف لن أستطيع لك السماح بالعبور!

 يقول مالكولم اكس "التعليم هو جواز السفر نحو المستقبل، والغد هو لأولئك الذين يعدون له اليوم"[3]، رافضاً رحلة العبودية وموقناً برحلة العلم، ومتسائلاً عن كيفية اخضاع حتمية الهوية وفعل الاضطهاد في وقع اللون على شبكية العين، فرأى في العلم تذكرة السفر التي ستنقل الحلم من فرضية الوهم الى أرضية الوعي وتغير قراءة اللون من الجانب الأيسر في العقل الى منطق القلب، ويقول درويش "كل قلوب الناس جنسيتي" مستلهماً هويته من قمحه وجرحه وملحه وليس من رقم على بطاقة هوية.

قد نقرأ عن مؤتمر عقد في فندق لبحث المأساة في سوريا، أو نسمع عن مؤسسة ثقافية دولية خصصت جائزة مالية لأفضل صورة ترصد الطفل الأكثر اثارة للجوع. ونحن نعلم أن لا دولة ولا فندق يرغب باستضافة أصحاب الصورة. وجواز السفر السوري انضم الى مجموعة أصدقاء جديدة هم جواز السفر اللبناني والعراقي والأفغانستاني والصومالي وبالطبع صديقهم المنفصم جواز أو وثيقة السفر الفلسطينية. هذا العالم لا يحترم الضعيف، وأضعف تجليات هذا الاستنتاج هو في مجموعة الأصدقاء التي تأخذ وقتاً أكثر من اللازم أمام شبابيك فحص الجواز وفي صفوف الانتظار على عتبات البعثات الأجنبية.

 النداء الأخير للمسافرين على الخطوط النمساوية رحلة رقم: ثلاثة.. ثمانية.. ستة، والمتوجهة الى يريفان عن طريق فيينا، فعلى حضرات الركاب التوجه الى الطائرة من خلال البوابة رقم تسعة. في تلك اللحظة وأنا أحضر نفسي للعودة الى جسر "الكرامة" كان ما زال لديّ متسعاً من الخيال لأسمع النداء بالشكل الاّتي: النداء الأخير للمسافرين على الخطوط الفلسطينية، رحلة رقم: واحد... تسعة.. أربعة، والمتوجهة الى بغداد عن طريق دمشق، فعلى حضرات الركاب التوجه الى الطائرة من خلال البوابة رقم 9... . وصعدت تلك الطائرة من مطار القدس متوجهاً الى بغداد وكانت وجبات الغداء على الطائرة مقلوبة و مسخن وضمن قائمة المشروبات قهوة عربية وشاي بالزعيتمان، وعند هبوط الطائرة رأيت بعض الزائرين الأجانب يحضرون أوراقهم الثبوتية عند نقاط العبور ليظهروا لذوي الشأن تأشيرة الدخول الى بلد عربي.

"هذا الجواز صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية وفقاً لاتفاقية أوسلو الموقعة في واشنطن في 13 سبتمبر 1993. يرجى من ذوي الشأن السماح لحامل هذا الجواز المرور بدون أي تأخير أو إعاقة وعند الضرورة حمايته وتقديم المساعدة

 


[1]  من ديوان «في حضرة الغياب» لمحمود درويش.

[2]  بعض الأحرف قد بهتت على غلاف الجواز ولكن دقق في الصورة أدناه.

[3] Original quote in English “Education is our passport to the future, for tomorrow belongs to the people who prepare for it today”.