نموذج الحكم الذاتي لدى حركة الزاباتيستا في المكسيك

٢٤ تشرين الأول ٢٠١٦

في القرن العشرين، كان اليسار العالميُّ يشكل القوَّة الأساسيَّة للتغيير الثوري، كما لعب دوراً مهماً في حركات التحرر القومي. وشكلت مبادئ الماركسية- اللينينيّة والماويّة إحدى أهم الابتكارات التنظيميَّة لهذا القرن. ولم تكن الحركة الفلسطينيَّة استثناءً لهذا التوجه العالمي، حيث تبنت ايدولوجيا متماشية مع الايديولوجيا العالميَّة. وفي حالة الحركة الفلسطينية المناهضة للاستعمار، فقد تبنت حركات المقاومة “السائدة” التوجه اللينيني في العالم الثالث. ولكن في ذات الوقت، كان التنظيم الثوري منذ الستينيات غير ديمقراطي ويتَّسِمُ بالهرميَّة، الأمر الذي أنتج في حالة منظمة التحرير الفلسطينية ترسيخاً للسلطويَّة. ولكن إلى جانب هذا التوجه السلطوي، شهدنا في التاريخ الفلسطينيِّ أشكالاً أقلَّ ظهوراً من التنظيم الاجتماعي والسياسي، والتي عكست ممارسات ديمقراطية حيويّة، ترافقها طوال الوقت مشاركة جماهيريَّة متنوعة واتخاذ جماعيٌّ للقرارات. والانتفاضة الأولى هي المثال الأوضح لذلك.

ولكننا لسنا وحدنا في تاريخ هذ التنظيم. فمنذ انتهاء الحرب الباردة و”الانهزام” العالمي للشيوعية، انفجرت ثورة اجتماعيَّة في “تشياباس” في المكسيك في العام 1994، ولفتت أنظار الثوريين حول العالم. أطلق أنصار هذه الحركة على أنفسهم اسم “الزاباتيستا”، نسبةً إلى الثائر المكسيكي “إيميليانو زاباتا” الذي كان زعيماً للثورة المكسيكية عام 1920. كان هدف “الزاباتيستا” الوصول إلى الاستقلال المؤسساتي، واللامركزية، وتحرير المرأة، والديمقراطية المباشرة على نطاق واسع، وفي ذلك تحدٍ للحكومة المكسيكية – ليس بالسيطرة على قوَّة الدولة- بل باستبدال المؤسسات الحكوميَّة السلطويَّة بمؤسسات شعبيَّة يحكمها الشعب بنفسه.

جدير بالذّكر أنَّ حركة “الزاباتيستا” شكَّلت قطعاً تاريخياً بالمقارنة مع أشكال التظيم الثوريَّة اليساريَّة الأخرى، وتجنَّبت وضع أهداف دعت لها الحركات الاشتراكية تاريخياً. على سبيل المثال، تجنب “الزاباتييون” السيطرة على القوَّة السياسيَّة، وعزَّزوا الأهميَّة المركزيَّة للممارسات الديمقراطيَّة المباشرة –والتي أطلقوا عليها في كثير من الأحيان مصطلح “الحكم الذاتي”- على حساب الهياكل التنظيميَّة الرسميَّة، على الأقل من حيث التنظيمات الاجتماعيَّة غير العسكريَّة.

في الأول من كانون الثاني عام 1994، وهو اليوم الذي كان من المفترض أن يبدأ فيه تطبيق اتفاقيَّة التجارة الحرَّة لدول شمال أمريكا (النافتا)، انتفضت مجموعة من قبائل المايا الأصليين في “تشياباس”، جنوب شرق المكسيك وذلك في الذكرى الخمسمئة للنضال؛ نضال الحفاظ على وجود السكان الأصليين منذ الغزو الإسباني. أعلن جيش “الزاباتيستا” للتحرير الوطني الحرب على الحكومة المكسيكية ونشروا هذا التصريح: “لن نتوقف عن القتال حتى تتحقق مطالب ]شعبهم[ بتشكيل حكومة حرَّة وديمقراطية.” قد يبدو هذا التأكيد على الديمقراطية غير ذي صلة، وشبيه بخطاب العديد من حركات حرب العصابات والعصيان، ولكن بالنسبة للزاباتيستا، كانت مفاهيم الحريَّة والديمقراطيَّة تعاد تعريفها ضمن حدود الحكم الذاتي. فلم تتوافق فكرة الحكومة لديهم مع الديمقراطيَّة البرلمانيَّة التمثيليَّة التي سعت عدة حركات تحرير وطنية إلى محاكاتها (ومن ضمنها منظمة التحرير الفلسطينية)، بل حاولوا إعادة تعريف الحكم بأنه المشاركة الكاملة للشعب في عملية صنع القرار.

بعد اثني عشر يوماً من الهجوم العسكري، استطاع جيش “الزاباتيستا” للتحرير الوطنيِّ السيطرة على سبع بلديات في “تشياباس” (ألتاميرانو، لاس مارجاريتا، سان كريستوبال، أوكوسينجو، تشانال، أويكستان، وأوكستشك). كان تأثير هبة “الزاباتيستا” مفاجئاً ليس فقط في المكسيك، بل في مختلف أنحاء العالم، فلم يكن بمقدور العالم تفسير مصدر هذه القوَّة الثوريَّة التي لم تكن أيديولوجية، أو قوميَّة، أو حتى عرقيَّة أو طائفيَّة، ولم تكن حرب عصابات، وبالتالي لم تتقاطع مع أي مقوِّم من مقوِّمات الحركات “الثورية” في القرن العشرين. في هذا السياق، انطلقت “الزاباتيستا”، ولم تغيِّر فقط المشهد في “تشياباس” والمكسيك بل أزاحت مجال السلطة وبَنَت مشروعاً سياسياً بديلاً من خلال تحويل استخدام العادات التقليديَّة إلى ممارسات ديمقراطيَّة.

اليوم، توضع في مناطق الحكم الذاتيِّ التابعة للزاباتيستا لافتةً تقول: “أنت في منطقة مقاومة تابعة للزاباتيستا. هنا الشعب يحكم والحكومة تنصاع.”

يترجم مفهوم التنظيم الجماعي لديهم بتأكيدهم على القيادة بالانصياع، والتي تعني أنَّ القادة يجب أن يقودوا عن طريق انصياعهم لرغبة الأعضاء، وأنَّ جميع القرارات الكبرى يجب أن تؤخذ عبر عمليّة جماعيّة لاتخاذ القرار-يجب أن يشترك كلُّ المجتمع بالنقاش حول القرارات الكبرى حتى يتمُّ الوصول إلى إجماع، وتتمُّ مسائلة أصحاب المناصب في السلطة مباشرةً إذا لم ينصاعوا للمجتمع.

شكَّلت الحركةُ هيكليةً خاصة لحكومتها الذاتية في أراضي الزاباتيستا، أسمتها “الكاراكولس” أو “القواقع”، تنظَّم عبر “مجالس الحكومة الحسنة”. وتشكِّل “الكاركولس” مراكز للاجتماعات السياسيّة، والثقافيّة، والتبادل بين مجتمعات “الزاباتيستا” والمجتمع المدني المحليِّ والدوليِّ؛ وهي أيضاً مقرّات لمجالس الحكومة الحسنة، التي تقدِّم لنا نموذجاً حياً لإمكانية بناء أشكال بديلة من الديمقراطيَّة التشاركيَّة.

تعمل مجالس الحكومة الحسنة كنوع من الحكم بالتناوب، وتشكِّل نظاماً قضائياً محلياً، يتعامل مع شتَّى القضايا ابتداء من السرقات، وحتى نزاعات الأراضي وحالات القتل والاغتصاب. وعلى الرغم من أنَّ هناك قوانين موحدة لكافة مناطق الحكم الذاتيِّ للزاباتيستا، إلّا أنَّ كلَّ إقليمٍ أو “كاركول” يحق له أن يقرر عن نفسه بناءً على الحالة والظروف، وتعمل هذه المجالس كهيئة تمثيليَّة في الأقاليم والمنظمات المختلفة، وكمصدر للإدارة الماليّة والمساءلة حول توزيع الأموال. والجزء الأكثر أهميّة هو أنَّ سلطة اتخاذ القرارات الأساسيّة تكمن في جمعيات مجتمعيَّة، لأنَّ القضايا تُناقَشُ أولاً في هذه الجمعيات وبعد الوصول إلى إجماع عبر النقاشات المكثفة، يتم إحالتها إلى “مجالس الحكومة الحسنة” للتنفيذ أو التطبيق. وتتم الرقابة على المجالس من قبل سلطات حكم ذاتي في المجتمعات للتأكد من موافقتها لحكم المجتمع، وعدم اتّباع هذا الحكم يمكن أن يؤدي إلى فصل أحد أعضاء المجلس من قبل الجمعيّة. تحافظ هذه الممارسة على السلطة في القاعدة، وهكذا لا تغدو السياسة منفصلة عن مجالات الحياة الأخرى: فلا يوجد سياسيون.

في هذا النظام، اعتبار الحكومة مسؤولية جماعيَّة يفصلها عن الامتيازات وبالنتيجة تُلغى القدرة على ممارسة القوَّة على الآخرين. وجدير بالملاحظة أنَّ مجالس الحكم الذاتيِّ تشكِّل نقطة تنسيق بين المجتمعات والبلديات، ولا تقوم بمركَزَةِ الحكم. نظام التَّناوب يمنع فساد الأعضاء، وهيكليّة صنع القرار نفسها تجعل الفساد مكلفاً جداً.

إنَّ الهدف من تسليط الضوء على هذه التجربة الثوريَّة الفريدة، بالتأكيد، لا يعني تكرارها بشكل مطابق، ولا يعني أيضاً أنَّ تجربة الزاباتيستا تخلو من الضعف أو الأخطاء. ولكن من الضروري أن نلاحظ ما كان مهماً في تجربتهم، عبر تقييم الظروف الاجتماعية التي أدَّت إلى نشوء الحركة ومقارنتها بالأوضاع الاجتماعية في المجتمع الفلسطينيِّ، من أجل إيجاد سبل من الممكن أن نحقق فيها الاستقلالية الديمقراطية، خاصَّة في وقت تمَّ فيه اختصار التجربة السياسيَّة في ممثلين غير منتخبين.