هل الانسحاب الروسي من سوريا ضربة معلم، وما أثره على فلسطين؟

٢٩ آذار ٢٠١٦

تتفاوت التحليلات وتتعدد حول أسباب “الانسحاب” الروسي ونتائجه. وانطلقت من غير عاصمة، تصريحات، عن المفاجأة الروسية (بوتين فاجأنا بالدخول وفاجأنا بالخروج)، (هناك صفقة روسية- سعودية)، (الهدف هو الضغط على الرئيس السوري)، (كيلا يكون الطيران الروسي في خدمة النفوذ الإيراني) وقد ارتفعت أصوات تتحدث عن (اتفاق روسي-أمريكي)…

مقاربة أخرى

لقد أعلن بوتين (أن قرار سحب معظم قواتنا قد اتخذ بالتنسيق مع الرئيس الأسد) وبالتالي لم تتفاجأ طهران وقيادة حزب الله كما أعلن قائد المقاومة نصر الله، وهما المعنيان أكثر من سواهما سواء لأسباب سياسية أو ميدانية. فروسيا تحرص على صدقيتها وجديتها وحزمها، ولولا ذلك لما تعززت علاقتها مع طهران والقاهرة في زمن الرئيس السيسي الذي قال لبوتين ( أريد أن تكون علاقة مصر بروسيا كما كانت علاقة عبد الناصر والاتحاد السوفيتي). فأمريكا تفتح الجروح وتتركها تنزف وتتعفن (العراق، ليبيا، تأييدها للتدخل السعودي في اليمن..) وهذا تدركه القيادة الروسية وتفصح عنه.

إن الباعث الأساس للقرار الروسي، ليس تقنياً أو إجرائياً حتى يعلم هذا الطرف أو ذاك أو لا يعلم، بل سياسي استراتيجي بالدرجة الأولى. فقرار “الانسحاب” يعلن عن رؤوس الإشهاد أن مرحلة الحل السياسي للأزمة السورية قد أزفت وباتت الأولولية لها.

طبعاً، لقد أبقى القرار على بعض الطائرات من أصل 97 طائرة، حتى لا تواصل قصفها لمواقع داعش والنصرة وسواهما، مثلما أبقى على قواعد عسكرية تنتشر فيها، فيما تنتشر صواريخ س 400 المتفوقة والقادرة على ضرب أهداف على بعد مئات الكيلومترات، في سعي لتحسين موازين القوى في الإقليم، وبمثابة رسالة لتركيا وأمريكا بشكل خاص، ذلك أن أمريكا تحاصر روسيا بزرع منظومة الدرع الصاروخية التي تهدد موسكو في الأرض التركية والأوروبية.

وما كان لقرار الانسحاب أن يتم دون التحول الميداني بانتقال المبادرة إلى الجيش السوري وحلفائه الذين حرروا أكثر من 420 قرية ومدينة، وبات لديهم القدرة العملياتية التي تضمن استمرار قضم المناطق التي تسيطر عليها المجاميع المسلحة التي تقدر بـ 160 ألفاً، نصفها وأكثر من داعش والنصرة.

لقد اختل الميزان منذ الدخول الروسي، وما يزيد عن خمسة أشهر من القصف وإعادة تأهيل الطيران السوري، كلّ ذلك دفع أمريكا وأوروبا إلى (تقديم محاربة داعش على رحيل الأسد) وفتح الأبواب لمشاركة إيران بعد استبعادها من مفاوضات جنيف، أما الدبلوماسية الروسية فلا تخفي نهجها الذي يقوم على حلّ الأزمات التي تكفل دحر المخططات المعادية والوصول لتسوية تعترف بالحقائق الواقعية، مبتعدة عن النهج الانتصاروي الذي يسعى لسحق كل من يقف حجر عثرة أمام المصالح الخاصة، ولو اقتضى ذلك احتلال العراق وتفكيكه، أو تدمير الدولة الليبية وإشعال الحروب والقبائلية، أو تقتيل المدنيين وتدمير مقومات الحياة في اليمن.

وإن سياسة المصالحات في سوريا تنسجم مع ذلك، أما “الدواعش” فلا مكان لهم سيما وأن نصفهم، كما تعلن المخابرات الأمريكية، هم من الأجانب، الذين كانت تركيا بوابة عبورهم وعتادهم، بتغطية خليجية وتسهيلات مخابراتية من كل لون عندما كانت تقوم الحسابات الأمريكية على هدف إسقاط النظام السوري. وكان أردوغان أبلغ الإدارة الأمريكية قبل سنوات بما مفاده أن (إقليم الشرق الأوسط بين خيارين، بن لادن، أو اتجاه أكثر اعتدالاً).

وكانت بروفسيورة أمريكية قد نشرت مقالة بعد أن أطاح السيسي بالدكتور مرسي “ثمة قوى أخرى يا أوباما”، وهذا ما حصل في مصر وهو يحصل في سوريا والعراق، وسوف يتكرر في ليبيا واليمن أيضاً.

ولا يزعج أمريكا أن تتحول الدماء العربية لحقل تجارب. فقد ضربت الجيش العراقي أثناء انسحابه من الكويت، ولاحقت الجيش الليبي بعد أن تفكك، وكادت توجه ضربات ماحقة للجيش السوري لولا أن نزعت دبلوماسية لافروف ورقة (السلاح الكيماوي) حتى لو نتج عن ذلك الطوفان أو فراغ تملؤه جماعات تبيد ما عداها.. فالعقل الانتصاروي هو أقرب للسذاجة ويفتقد للحس التاريخي، ذلك أنه يفشل في نهاية المطاف.

ولكن لماذا تكرر الإدارة الأمريكية سياساتها الخاطئة (دعم الطالبان والقاعدة في أفغانستان، اللتان ما لبثتا أن انقلبتا عليها، وهذا تكرر في العراق وسوريا)، لأنها ببساطة لا يهمها دماء الناس، بما يشبه نظرية مالثوس (أن تحصد الحروب والأوبئة الفائض من البشر) ولكنها تعلن حالة طوارئ لا تهاون فيها، ما أن يصل الحريق أبواب الأبيض المتفوق، على ضفتي المحيط الأطلسي.

محددات لا تحيد عنها السياسة الروسية

منذ عام 2009 ألقت أمريكا شباكها لاصطياد الأسد بأن “يفتح أراضيه للغاز القطري المتوجه لأوروبا” بما يغلق أنابيب الغاز من روسيا لأوروبا بغية توجيه ضربة لاقتصاد روسيا، ولاحقاً  أعلن بوتين (إن هدف أمريكا هو إسقاط الدولة الروسية) غير أن الرئيس الأسد أبى. وبعد أن اشتعلت الأزمة السورية زار وزير خليجي موسكو وفي جيبه دفتر شيكات، غير أن بوتين لم يتزحزح عن تحالفه مع النظام، معلناً أن السياسة الروسية تنطلق من “وحدة وسيادة سوريا ووحدة وسيادة العراق، ومحاربة الإرهاب، ورفض الهيمنة الأمريكية إقليميا وعالمياً، ومع دولة فلسطينية”.

لقد غير الدخول الروسي، وتعزز بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية، من 31 طائرة إلى 97 ومنها الجوي المتطور علاوة على صواريخ س 300 و س 400  بما لها من مزايا، قواعد الاشتباك وقواعد اللعبة برمتها. وكان لنجاحات الجيش السوري في جبهة الجنوب، مقدمة واعدة لهذا الدخول.

ومحاولة توريط روسيا وجيشها في أوكرانيا أخفقت. إذ بعد أن استعادت روسيا جزيرة القرم، وهي بمساحة فلسطين التاريخية بمرة ونصف، لم تتردد في إسناد وتعزيز المواطنين الأوكرانيين من أصل روسي (10 ملايين من أصل 50 مليون) الذين أعلنوا جمهوريتين مستقلتين في الشرق الأوكراني ومركزها الصناعي، وروسيا لم تؤيد انسلاخهما والانضمام لها بما ترك باب التفاوض مفتوحاً لأصوات معتدلة في كييف، تهمشوا في سنوات التطلع للالتحاق بأوروبا.

وجاءت العقوبات على روسيا، وأخطرها تخفيض أسعار النفط بنسبة الثلثين وأكثر، الأمر الذي كان الخليج حربته الأولى، بما تركه ذلك من أضرار على روسيا وإيران وفنزويلا والجزائر. أما السعودية فكانت أكبر الخاسرين بما لا يقل عن 100 مليار دولار سنوياً. غير أن “سلاح النفط” لم يثمر، ونظرية تغطيس روسيا في سوريا “على غرار أفغانستان” لم تثمر أيضاً. فالدخول الروسي محدود وهراوته سلاح الطيران، أما كلفة العملية فلا تتعدى نصف مليار دولار من موازنة الجيش بما لا يثقل كاهل الدولة التي يساوي رصيدها من 400 مليار دولار.

ورفض أمريكا التنسيق العسكري مع روسيا في ضرب داعش لم يغير من وتائر الفاعلية الروسية، أو مد يدها للتعاون، بل وكشفت هذه الفاعلية عدم فاعلية الضربات الأمريكية منذ عام ويزيد، ومهدت لتوافق روسي – أمريكي: على حل سياسي للأزمة السورية، بدايته وقف الأعمال القتالية مع استثناء الإرهاب، ومفاوضات في جنيف..

وبالتالي لقد استدار الموقف الأمريكي ليتكيف مع الموقف الروسي

ولكن ما سر تشدد أطراف المثلث التركي-السعودي-القطري؟ فتركيا عضو في حلف الأطلسي الذي تقوده أمريكا، والسعودية وقطر تربطهما علاقات أكثر من وثيقة في إطار ما يسميه سمير أمين وأندريه فرانك بـ مركز – محيط.

لقد تلقى المثلث ضربتين قويتين، فمن جهة فشلت – توقعاته في سوريا بإعادة صياغة دورها وإحكام القبضة عليها، ومن جهة أخرى واصلت أمريكا مفاوضاتها مع إيران إلى أن تمت تسوية الملف النووي ورفع العقوبات وتطبيع العلاقات والاعتراف بدورها الإقليمي.

وهذا المثلث يتشدد في مواقفه اليوم، ليس على قاعدة تطلعات الأمس (الصلاة في جامع الأمويين) ورحيل الأسد ومنطقة عازلة وعملية برية.. فهذا بات وراء الظهر، إذ يكفي عدم تجاهل الحد الأدنى من المصالح.

وربما تحمل زيارة الملك السعودي لموسكو بعض التطمينات، خصوصاً أن الروس”بانسحابهم” إنما حسنوا فرص دبلوماسيتهم التفاوضية مع السعودية وسواها، فهم يسعون لحل الأزمة وليس كسر عظم أحد أو تجاهل مصالح أحد، ولكن على قاعدة الثوابت المعلنة التي باتت أكثر منطقية وتوازناً من أية شروط معاكسة. وهذا ينطبق على دورهم في جنيف، كما على دورهم المنتظر في الأزمة اليمنية، سيما وأن بوابات الحسم العسكري قد أغلقت رغم الضجيج  الإعلامي عن انتصارات تعز والاقتراب من صنعاء. فالحرب مدمرة للجميع والتقدم الميداني بسرعة السلحفاة والدواعش يتمددون وهناك الآلاف في اليمن من أصل سعودي!

وعليه، فالتشدد مؤقت ولا مستقبل له، وهو مضطر للقيام بمراجعة وتراجع على غرار المراجعة الأمريكية، وجولة جنيف الجديدة التي تعترضها تعقيدات كثيرة وهشاشة في وقت إطلاق النار هي المخرج.

الموقف الروسي وفدرلة سوريا

بعد شهر عسل انفرط عقد العلاقة الروسية – التركية. وبدأ الاحتقان الروسي عندما سمحت تركيا للولايات المتحدة بنصب منظومة “الدرع الصاروخية” التي تهدد موسكو دون أن تأخذ العبرة من الرد الروسي الحازم على جورجيا وأوكرنيا عندما أعربتا عن مثل هذا الاستعداد، فدفنته روسيا في المهد.. وإسقاط الطائرة الروسية دون اعتذار من تركيا، أي إمعانها في خيارها سيما ذراعها الطويلة في سوريا تساوقاً وتقاطعاً مع المخطط الأمريكي، كان إيذاناً بسلسة عقوبات.

بدأت هذه العقوبا بوقف السياحة الروسية (حوالي 4.5 مليون ينفقون 10 مليار دولار سنوياً) وإلغاء أنبوب الغاز من روسيا مروراً بتركيا وصولاً الى أوروبا، ووقف بناء محطة نووية برأسمال وتقنية روسيين في تركيا، ومطالبة الشركات التركية بمغادرة الأراضي الروسية بقوام وظيفي يصل إلى 100 ألف.. دون أن تستخدم روسيا ورقة النفط حيث تزود تركيا بـ 60% من احتياجاتها.. ولم يكن لدى تركيا من رد سوى المزيد من الإصرار على “المنطقة الآمنة” في شمال سوريا والمزيد من التسهيلات “للجهاديين” وأسلحتهم وشاحنات نفطهم عبر الحدود التركية – السورية، فازدادت عزلتها حتى من أقرب حلفائها.

وأطلق مسؤول روسي تصريحاً عن “الفدرالية إذا اتفقت جميع الأطراف” أي غمز في قناة كيان كردي في شمال سوريا، فجن جنون أنقره التي تعتبر ذلك تهديداً لأمنها القومي، واعتبرت بلدة إعزاز السورية الحدودية “خطاً أحمر” لن تسمح للأكراد بالسيطرة عليها لأنها تؤمن التواصل بين مناطق كردية شرقها وأخرى غربها.. وهذا التصريح لا يعبر عن سياسة عملية روسية تتابع للنهاية، وإنما يعكس اعترافاً بالخصوصية الكردية وحسب، استمراراً للموقف الروسي الذي يقول “بوحدة وسيادة سوريا الديمقراطية” والداعم للأكراد في حربهم على الدواعش.

وأولوية روسيا هي التحالفات مع النظام وتعزيز قوة النظام، وإقامة أوسع التحالفات والمصالحات لمحاصرة “الإرهاب وضربه”.

ولكن ما ينبغي أن تراه العين والذاكرة أن ثمة 30 مليون كردي (21 في تركيا، و5 في العراق، وأقل من 1.5 في سوريا، وأخيراً 4 في إيران) وأن كرد سوريا بنسائهم ورجالهم وبقيادة الاتحاد الديمقراطي اليساري هم الذين فرملوا تمدد داعش السريع في معركة كوباني (عين العرب – كما أسماها الرئيس الراحل حافظ الأسد) وواصلوا هجموهم المضاد لتحرير مئات القرى التي يغلب عليها الكرد وتضم عرباً وسواهم.

وتؤيد روسيا مشاركة الكرد في مباحثات جنيف، وهذا موقف الحكومة السورية تقريباً (لن نسمح لأحد بشق سوريا) كما صرح وزير الخارجية المعلم. وهناك قوات سوريا الديمقراطية وفي صلبها “حماية الشعب الكردية” وأرمن ويساريون وسريان، وهؤلاء يتعاونون مع الجيش السوري ويتلقون السلاح منه في مواجهة “الدواعش”.

وفي الأيام الأخيرة أعلنت قوى كردية عن نظام اتحادي بما استدرج ردود فعل عديدة تحذر من تقسيم سوريا، وهذا الإعلان بقي منعزلاً فلم يؤيده أحد.

ومن الناحية الواقعية يمتد الوجود الكردي على شريط حدودي يناهز 850 كم وهو يتمركز في القامشلي وعين العرب والحسكة، ولكن الأغلبية في أرياف هذه المدن، وتتنوع قرى الأرياف من عربية، سريانية، وتركمانية علاوة على القرى الكردية أو المختلطة، بمجموعها الذي يصل الآلاف.

وحتى الإدارة الذاتية التي يقودها الكرد تشارك فيها العناصر الأخرى، والتحالف الديمقراطي الأوسع وعلى رأسه د. هيثم مناع وقائدة من الاتحاد الديمقراطي. فموضوعياً، ثمة تنوع وثقل لأطراف عدة، وهو ما تدركه قيادة دمشق التي أعلنت أنه (لا قيمة لإعلان النظام الاتحادي). ولكن الأكراد يخشون، وقد بدأ الحل السياسي، من تجاوزهم في رسم مستقبل سوريا، وهم يستخدمون ورقة استفزازية لضمان تمثيلهم على طاولة المفاوضات في جنيف. كما أنهم لا يخفون موقفهم “بوحدة سوريا الديمقراطية” وتطلعهم لتجنيس مئات الآلاف من الكرد الذين وفدوا لسوريا قبل عشرات الأعوام، ومئة عام من تركيا، في زمن الحكم العثماني وبعده، وقد جنس النظام بعضهم، ولكنهم يبحثون عن حل أكثر جذرية.

لقد تعززت ثقة الأكراد بأنفسهم بعد أن أثبتوا ميدانياً أنهم رقم صعب في مقاتلة الدواعش، كما تجربتهم الإيجابية في التعامل مع المكونات الأخرى في “لجان الإدارة الذاتية” وهناك اتصالات لهم مع دمشق، فقد رفضوا حمل السلاح ضدها، ولهم اتصالات مع الروس والأمريكان والأوروبيين. وكان وزير الخارجية السوري المعلم أعلن حرفياً “سوف يرضى الكرد”.

ماذا عن فلسطين؟

فعلاً أن “السياسة جبر لا حساب” بلغة دوبريه وفيها المجهول، كما أن لوحتها متشعبة وعواملها متحركة.

وكان الدكتور شعث قد طلب منذ عامين تقريباً من وزير الخارجية الروسي لافروف أنْ (ساعدونا) فردّ الثاني (كيف نساعدكم وأنتم تفاوضون الإسرائيليين مباشرة تحت الرعاية الأمريكية، تعالوا للأمم المتحدة) ومجرد مطلبين صغيرين للمفاوض الفلسطيني وهما (تجميد الاستيطان وإطلاق سراح الأسرى من الدفعة الرابعة) أي ليس تبييض السجون ولا تفكيك المستعمرات ولا جلاء الاحتلال.. رُفضا من قِبَل حكومة نتنياهو وطويت صفحة التسعة شهور، وخابت جهود كيري.

فمنطق حكومة يمين اليمين، بعد أن شهدت الخارطة الإسرائيلية انزياحاً تحرك بمقتضاها ما يسمى “اليسار” إلى الوسط، والوسط إلى اليمين، واليمين الليكودي إلى يمين اليمين متلاقياً مع من هم على يمينه من “البيت اليهودي” و”إسرائيل بيتنا”.. لم يعد يموه على مواقفه “أنتم ضعفاء لماذا نعطيكم أي شيء؟” فانطلقت بعض الحناجر الفلسطينية تردد “هذا يهدد حل الدولتين، والعملية السياسية…” وكأن حكومة نتنياهو تؤمن بغير ذلك.

أما المتغير الذي ينبغي رصده، فهو جدية روسيا وحزمها في الملف السوري، أما كبير ديبلوماسييها لافروف فقد انتزع إمكانية تدحرج ضربة عسكرية أمريكية ماحقة للجيش السوري “أيام السلاح الكيماوي” وفتح أبواب موسكو للمعارضة السورية وقاعدة حميميم للمصالحات الداخلية، ولم يكف عن اللقاء مع كيري بحثاً عن إمكانات حل سياسي وقواسم مشتركة للسوريين.

أما صواريخ س 300 و س400 فقد ردعت أي مغامرة تركية – سعودية، الدولتان اللتان هددتا بعملية برية وحرب ضروس في شمال سوريا لإقامة “منطقة عازلة” دون نسيان أن هناك نحو 2 مليون سوري في تركيا وحوالي مليون لجأوا لأوروبا وسط أمواج الموت وذل اللجوء، الأمر الذي يتطلب الحل أيضاً!

والأزمة السورية كما العراقية واليمنية، بما صاحبها من دمار وبحر من الدماء  والمآسي الإنسانية، وما لها من إسقاطات على الشعب الفلسطيني هي أيضاً استولدت متغيرات، أتعرض هنا لواحدة منها فقط: أي تجاوز سايكس –بيكو 1916 بالحيلولة دون وحدة العرب. أما المشروع القطري الذي أنجز استقلالاً وطنياً، أو نصف استقلال بعد موجة حركة التحرر الوطني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فقد استنفد طاقته التقدمية منذ السبعينات وبات أساس الأزمة الحالية.

وهذا المشروع يتلقى ضربات من معسكرين متناقضين: شبه الجزيرة العربية التي كانت عاملاً في الأزمات العربية وصولاً إلى قطعها شوطاً في تدمير مقومات الحياة في اليمن، ودمشق التي أعطت التسهيلات للمقاومة العراقية في فترة الاحتلال الأمريكي وتوسّع علاقتها اليوم مع بغداد، وهي تتعاون أمنياً مع القاهرة “لمواجهة التكفيريين”، وحزب الله الذي تجاوز لبنان إلى فاعلية ميدانية حقيقية في سوريا وجزئية في العراق وتشجيعه في فلسطين، ومصر التي تجد نفسها تتعرض لسيل من الجهاديين والسلاح من ليبيا بما يجعلها موضوعياً عاملاً مؤثراً في ليبيا.. وتعاونات من شتى الطرز العربية لمواجهة “داعش” التي غدت قوة إقليمية متجاوزة أية حدود قُطرية.

لقد شاخ المشروع القطري  وشبع عجزاً، وهو غير قادر على إنتاج مشروع تنموي استقلالي، أو حماية السيادة أو السير في طريق ديمقراطي ومواطنة، أو فك المحوطة والتبعية وحماية الفلسطينين، بل شيخوخته أحيت التقسيمات المذهبية وأنعشت التقسيمات الطائفية والعرقية وأخيراً أنتجت داعش.. ومن قبلها أنتجت كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة. وبطالة أكثر من 25% وفقر يزيد عن 40% على مستوى عربي. فالذي يتأخر في التاريخ يدفع ثمن تأخره.

فهل سيتجاوب الوضع الفلسطيني مع هذا المتغير الذي أشّر إلى الطريق، ورُشّح لأن تصبح له ديناميات في قادم السنين أم سنستمر بالتغريد بمعزل، فنزداد تشظياً وتفككاً، فيما تستبيحنا السياسات الاحتلالية العنصرية على كل الصعد؟

ولأننا سرنا بمفردنا في أوسلو ، وصلنا إلى ما وصلنا إليه وانطلقت دينامية تفكيكية للشعب وحقوقه وثقافته، واختزالية للخارطة ومشاركاته التحررية، وطغت الفصائلية والنخبوية على الوطنية، واستشرت الاستهلاكية التي تلعب في ملعب النيوليبرالية، فتمتص النزعات الجماعية الانتاجية.

إن إنتاجنا الوطني الذي يصل لـ 10 مليارات دولار سنوياً لا يعزز صموداً ولا يغني ولا يسمن من جوع، وما نتلقاه من دعم يصل إلى 2 مليار بأشكال وقنوات مختلفة هو ثلث ما ننفق سنوياً، بما يمنع انهيار المجتمع، ولكن هذه “المساعدة” الأمريكية توقفت عام 2015. فما العمل في ظل الصعود الروسي واهتزاز أركان سايكس – بيكو؟