هل التناقض مع  السياسة الاجتماعيَّة الاقتصاديَّة ثانويّ؟

٢٦ آذار ٢٠١٧

في تحديد التناقضات ميَّز ماو تسي تونغ بين ثلاثة أنواع من التناقض، إلا أنَّه لم يضعها في مستويات، بل وبعمق بصيريّ رأى أنَّ كلَّ تناقض من هذه التناقضات يمكن أن ينتقل من درجة إلى درجة صعوداً وهبوطاً حسب الظرف التاريخيّ المحدّد. هنا يتماثل ماو مع لينين الذي طالما نادى بالتحليل الملموس للواقع الملموس، بمعنى قراءة تناقضات الواقع العيانيّ الحيّ، لا تنميطه عبر إسقاط النظريّ على العمليّ، بل الواقع هنا يفيد ويطوِّر النظريَّة إذا ما استُخدمت الأدوات العلميَّة لتحليله بدقَّة وموضوعيَّة.

يرى ماو أنَّ هناك ثلاثة أنواع من التناقض هي:

التناقض الأساسيّ: وهو الذي يكمن في علاقات الإنتاج أي في بنية المجتمع الطبقيَّة، والتناقض الثانوي: ويكون بين تعبيرات اجتماعيَّة اقتصاديَّة (شرائح طبقيَّة، أحزاب سياسيَّة ... الخ) متقاربة ويجمعها بالتالي تناقض آخر يشتركان في مواجهته، والتناقض الرئيسيّ: ويكون هو الأبرز والسائد في مرحلة تاريخيَّة معيَّنة، حيث يشكِّل حلَّه انتقالاً إلى تناقض آخر يصبح رئيسيَّاً في مرحلة أخرى.

وهنا عالج ماو التناقضات بين صفوف الشعب الصينيّ، وبنى تحالفه مع تشان كاي تشيك زعيم البرجوازيَّة الصينيَّة ضدَّ الاحتلال الأجنبيّ وطبقة الكمبرادور معاً، حيث كان التناقض الرئيسيّ مع هذا التحالف، فيما التناقض الأساسيّ كان مع تشيك لكنَّه اتَّخذ صفة تناقض أساسيّ ومؤجل لأن هناك تناقض آخر فرضت طبيعة المرحلة حلَّه قبل التصدي للتناقض في بنية المجتمع الصينيّ الذي هو تناقض أساسيّ. وبعد الانتصار على الكولونياليَّة والكمبرادور، أصبح التناقض مع البرجوازيَّة هو الرئيسيّ وبالتالي انتقلت الثورة من كونها وطنيَّة تحرريَّة، إلى عمليَّة استكمال التحرُّر بالاشتراكيَّة، حيث وقف تشيك ضد الإصلاحات والتغييرات التي طالب بها الحزب الشيوعيّ الصينيّ، وانتهى الأمر بحلِّ التناقض لصالح استكمال مهمَّة الثورة.

في ضوء هذه الخلفيَّة، كيف يمكن قراءة حركة التناقضات في الواقع الفلسطينيّ؟ ما زالت هناك رؤىً في أوساط اليسار الفلسطينيّ تتعامل مع تحليل تناقضات الواقع وفق وصفات جاهزة وثابتة، وباتت مثل هذه الرؤية عائقاً أمام فعل اليسار في المجتمع وعاملاً من عوامل تراجعه.

هنا لا يشكِّل المشروع الصهيونيّ على أرض فلسطين مجرَّد تناقض رئيسيّ يمكن حلّه بسهولة. فقد أصبح هذا التناقض أساسيَّاً في بنية الصراع ومحوره، وبالتالي فإنَّ حضور المشروع اليوميّ في حياة الشعب الفلسطينيّ بكل طبقاته يجعل من التناقض معه أساسيَّاً ورئيسيَّاً في نفس الوقت، وهنا لا يمكن القول أن هناك تناقض رئيسيّ واحد أو أساسيّ واحد، بل يمكن الجمع في ذلك بحيث لا تتجاور التناقضات بل تتفاعل في بنية كولونياليَّة شاملة.

هذا يفترض علينا رؤية مميَّزة تجاه واقع سياسات السلطة الفلسطينيَّة، التي هي ثمرة اتفاق مفروض أكثر منه تعاقد بين أحرار، هذا الاتفاق الذي تمخَّضت عنه عمليَّة مصالحة بين طبقة كاملة من المجتمع الفلسطينيّ مع المشروع الصهيونيّ. وأدَّت هذه المصالحة للانتقاص من الحقوق الوطنيَّة مقابل سلطة محدودة، لكنَّها حاولت أن تظهر أمام الشعب بشكل سلطة كاملة الصلاحيَّات.

منذ تأسيس السلطة الفلسطينيَّة، جرت تحوُّلات طبقيَّة واجتماعيَّة عميقة في المجتمع الفلسطيني، كنتيجة لعمليَّة سياسيَّة أكثر منها اجتماعيَّة اقتصاديَّة، بمعنى أنَّ الهرم منذ البداية كان مقلوباً، وجرى من خلال السياسيّ صناعة طبقات جديدة أو تنمية أخرى قائمة. الأمر الذي نقل السلطة من حالة شعبويَّة في بداياتها، إلى حالة منفصلة عن الشعب.

لا بد هنا من النظر إلى السلطة على أنَّها ضربت المشروع الوطنيّ ولا تمثله، حيث أنَّها اكتفت بمظاهر السلطة لتخفي عجزها عن ممارسة السلطة الفعليَّة. هذا التناقض بين رغبتها والواقع، أوقعها في تناقض لم تحلّه بالبحث عن مزيد من المساحة للاستقلال الوطنيّ، بل بتعميق الارتباط بالحبل السريّ لاتفاق أوسلو.

وإذا أردنا تحليل واقع السلطة على المستوى الاقتصاديّ الاجتماعيّ نجد أنَّها:

  1. سلطة قائمة على الريع القادم من الدول المانحة أو الجباية.
  2. سلطة لم ولا توَّلي القطاع الإنتاجي والموارد الوطنيَّة أي أهميَّة.
  3. سلطة تطبق نظام الاقتصاد الحر في بلد مليء بالجواجز ومعيقات نمو اقتصاد حر.
  4. سلطة همُّها الأول والأخير اجتذاب الريع للصرف على جهاز بيروقراطيّ متضخم بمتطلبات استهلاكيَّة غير ضروريَّة.
  5.  سلطة تستخدم التشريعات والقوانين لصالح تعظيم الريع وإفقار المجتمع.
  6.  سلطة تطلق العنان لقطاع خاص كمبرادوريّ خدميّ وعقاريّ في السوق ودون رقابة.
  7. سلطة تطبِّق بأمانة وَصْفات صندوق الخراب الدوليّ وتسهم في هدم أيِّ محاولة إنتاجيَّة وطنيَّة وتشجِّع الخصخصة في كلِّ القطاعات.

وبشكل عامّ، هي سلطة تحالف وتشارك طبقيّ بين الكمبرادور والجهاز الأعلى من البيروقراطيَّة في المؤسَّسات الحكوميَّة. هذا التحالف هو المولِّد الأكبر لديناميَّات الفساد. وفي ضوء ذلك، ما هو طابع التناقض بين الطبقات الشعبيَّة والسلطة، هل هو أساسيّ؟ أم هل هو ثانويّ مؤجل رغم كونه أساسيّ؟ هنا يجب أن نفكِّر بدقة، فليس كلُّ تناقض ثانويّ يحلُّ بالحوار، إنَّما طبيعة التناقض مع السلطة هنا مرتبط بطبيعتها كسلطة قائمة باتفاق وبصلاحيَّات محدودة، وترفض إشراك الجماهير في مقاومة خنق الحياة الاقتصاديَّة في البلد، وتمعن في اقتفاء وصفات اقتصاديَّة اجتماعيَّة وسَّعت هامش الفقر، كما وسَّعت الفجوة بين الطبقات، إضافة إلى مظاهر كثيرة، تجعل من التناقض معها تناقضاً شبه رئيسيّ، يحتاج إلى ممارسة نضال ميدانيّ ضدَّ سياساتها، في التعليم والصحة والزراعة والخدمات الاجتماعيَّة وكثير من المجالات.