هل يبعج الشهيد بطن أمه باحثاً عن تضحية في وطنٍ مسلوب؟

١٥ نيسان ٢٠١٦

سيكون العالم أجمل، عندما نصل إلى ثانية أخرى من هذه الحياة، لا شاهد ولا مشهود، قتل الصبي، وعلى شاهد القبر وقَّعَ شهود، شهود كُثر.

لم تختلط قواهم في دماء الصبي الذي لم يبصر التفاصيل، بل كانت دماؤه تختلط في كؤوس الخمر بين أيديهم؛ تلك هي قصة الوالد المكلوم الذي حارب الدنيا من أجل صبيّه، وبارز الظلم بسيف العدل دفاعاً عن الحقّ من أجله، لكن صبيّه الوحيد سقط كحبة البرتقال في يافا، وغاب عن تلك الغصون، وغابت عنه الشمس.

يا لتلك البرتقالة، كانت تحلم أكثر من نفوسنا المريضة، صارعت الوجود في كنف العدم، وحقيقة أخرى أنّ الجهل والضلال أضاع البستان في مصابيح المتّسع، فكيف أبكي على برتقالة سقطت من السماء وإلى الآن لم تعانق الأرض؟ وكيف لا أبكي وحديقة جدي شاخصة عيناها نحو بيت الله الصغير، وأبصارنا غُلفت بالآثام التي لا تعيد الحقل؟ ليست نبوءة هي؛ لذا يومها لا ينفع الندم.

سوف تبقى الخيانة تشرب الدّماء الزّاكية المذاق من أجسادنا، حتى يتعفّن الشهيد في بطن أمّه، عندها سنرجو ربّ السّماء قطرة دم طاهرة… هل يبعج الشّهيد بطن أمّه باحثاً عن تضحية في وطنٍ مسلوب؟ هل هكذا أصبحت  ثورتنا العجيبة؟ ثورة بلا ثوّار؟ كأنّها قصّة بلا شخوص، مكانها الضّلال وزمانها الجهل.

لا أحد يغامر في نوقه المسومة، لكنّما الشهداء هم نكهة المدينة الصغيرة، فُحول العصر، أصبحوا أقوياء أكثر من اللّازم، وفي المساء ناموا تحت التراب، أُمّهاتهم لا تأبه لشيء،  فهم يُصلّون كلّ يوم، ويسألون الله أن يمدّ يده من سقف هذا الكوكب المتمدّن من أجل أن يوقظَ صبيانهم الصّغار الذين كَبِروا قبل أيّ شيء؛ قبل أن تنضج الدنيا، وقبل أن تبدّل أسنانهم اللّبنيّة، ليخطفهم كالعادة ضجيج ضخم يصدر عن صراخ العقول الفارغة.

أمّا الشّيخ المرصّع في تجاعيد اللّون الأبيض، صار يتمتم  بصوت منخفض “يا مليكي الوحيد أرجوك أن تمطر عليَّ وأسرتي حريّة، وأنعم علينا بالبعد عن عشيرتنا وقبيلتنا التي قلبتنا و قَولَبت قبلتنا”.

أمّا عن الفتى الصغير الذي لا يعلم أنه سيسقط برتقالة أخرى؛ فكان يصرخ قائلاً: ” لن يأتيَ ذلك السّاحر الخارق ليخرج لنا من جيبه اللّامتناهي وطناً وبيتاً وأخاً، يا أبناء جلدتي دعاؤكم لن يصلح حالكم، ودموعكم لن تغسل عاركم”.