هل يمكن أن تتجدَّد حركة التحرُّر الفلسطينيَّة؟

١٢ كانون الأول ٢٠١٦

هذا سؤال كبير ويحتاج إلى بحث أكاديميّ جدَّيّ. أمَّا في صحيفة فيمكن أن تكون الإجابة صحفيَّة. ببعض المجازفة يمكن رصد ثلاثة تيّارات في حركة التحرر الفلسطينيَّة: التيَّار “البرجوازيّ” بقيادة فتح بما ينطوي عليه من مكوّنات. والتيَّار اليساريُّ بمختلف أطيافه وتيَّار الإسلام السياسيّ وبشكل أخص حماس والجهاد.

ويبدو أنَّ السؤال يستهدف أولاً التيَّار الأوّل والثاني في إطار منظّمة التحرير الفلسطينيَّة، وذلك لأنَّ التيَّار الثالث عمره نحو ربع قرن تقريباً وجاء تجديداً وتجاوزاً لحركة الإخوان المسلمين وما يتّصل بها. فحماس والجهاد فصيلان مقاتلان على عكس ما كان عليه الإسلام السياسيّ قبل انتفاضة أواخر الثمانينيات. وللتجديد هنا معنىً يجب توضيحه لاحقاً.

أمَّا منظّمة التحرير الفلسطينيَّة وفصائلها من يسارٍ ويمينٍ وقوى وسطيَّة قادت المسيرة النضاليَّة عقوداً وأعادت الاعتبار للقضيَّة الوطنيَّة وخاضت معارك كبرى، فهي من أصابها الخلل بل الإخلالات ما بين التوقيع على أوسلو وما نتج عن ذلك وما بين تفكُّك وانحسار القوى اليساريَّة وتراجع مستوى أدائها وقيادتها، وما أصاب فتح من تحوُّلات نقلت نهجها من خندق إلى خندق وما تتعرض له من نهش يأتيها من يمينها، فهي قد أصبحت اتجاهات متناقضة تضمُّ من الأقصى إلى الأقصى، أيّ من الفدائيّ الذي يُحكم بالمؤبد إلى الذي يَعتَقِل المقاوم.

جاءت فصائل المقاومة، وتحديداً بعد هزيمة حزيران 67، كولادة جديدة ونفياً ارتقائياً للعمل السياسيّ الفلسطينيّ السابق وبشغفٍ عالٍ وتضحيات جبّارة راكمت وراكمت من كافة الحقول لاسيَّما البنى التنظيميَّة والقتاليَّة مستفيدةً من الدراسات الأكاديميَّة والدورات التدريبيَّة في البلدان الاشتراكيَّة. ولكنَّ غيابَ القيادةِ الجماعيَّةِ وتكريسِ الزعاماتيَّة والزبائنيَّة وعدم المحاسبة الصارمة على الأخطاء والمكتبيَّة المتفشية والنقص في التجديد وسوى ذلك، يشكِّلُ بيئةً “لأخطاء وخطايا”1، إلى درجة الذهاب إلى مدريد فيما الانتفاضة مشتعلة في الوطن المحتلّ.

وبدل الإبداع والابتكار كصفتين لازمتا ولادة فصائل المقاومة حلَّت النمطيَّة والكسل وندرة الإبداع للتغلب على مصاعب العمل والظروف. ولم تستطع ديناميكيات الانتفاضة الأولى التي نقلت الوطن المحتل من مرحلة إلى أخرى تثويرَ م.ت.ف.

فتنامت عناصر الشيخوخة، ليس العمريَّة فقط بل والقدرة على المبادرة والأفكار الخلّاقة وصولاً إلى الضربات الاعتقاليَّة في الوطن بما أضعف الشرط القيادي وتراجع القدرة على السيطرة.

والضربة الكبرى كانت اتفاق أوسلو الذي أصبح مرحلة لها استحقاقاتها ونتائجها وما أصاب اليسار لا سيّما الجبهة الشعبيَّة من تفكّك وتراجع. هنا صعدت أسهم حركات الإسلام السياسيّ التحرريّ وباتت اليوم تقترب من نصف الخارطة لا سيّما بعد العدوانين الكبيرين على غزة في عام 2012 وعام 2014 حيث قادت حماس والجهاد المواجهة وأثبتتا نديَّةً وإمكانيَّةً ردعيَّةً رغم الاختلال الجذريِّ في ميزان القوى العسكريِّ.

ولضبط الإجابة على السؤال يتعيَّن استخلاص معايير محدّدة لحركة التحرُّر يجري التجديد لخدمتها وخدمة عمليَّة التحرُّر.

بإيجاز:

1. التشبّث بالهدف الوطنيِّ بتحرير فلسطين وحلِّ الصراع جذرياً بصرف النظر عن التفاصيل هنا، ذلك أنَّ الرؤى متباينة حول ما بعد التحرير وطابع الدولة وحلّ المسألة اليهوديَّة ومصير المجتمع اليهوديِّ وارتباط فلسطين بمحيطها العربيِّ.

2. البرنامج السياسيّ الذي يستجيب للمعطيات ويخدم تحرير فلسطين إذ “لا ينبغي أن ينتهك التكتيك الاستراتيجية ولا أن تنتهك السياسة الأيديولوجيا”2. واستيعاب حقيقة أنَّ المشروع الصهيونيَّ هجوميٌّ ولا يسعى لحلٍّ سياسيٍّ يعيد الحدَّ الأدنى من الحقوق الفلسطينيَّة. فليس ثمة حلٌّ سياسيٌّ قريب، والأمر يتطلب أول ما يتطلب النهوض بالنضال الوطنيِّ بتغيير ميزان القوى.

3. العلاقة الحواريَّة والتحالفيَّة بين القوى التحرريَّة فلا مجال للهيمنة أو الإقصاء أو التهميش. وكلُّ محاولة من هذا القبيل إنما تفضي إلى تمزيق وحدة الصَّف.

وهذا يتطلب انتخاب وتشكيل مجلس وطنيٍّ فلسطينيٍّ يتمثَّل في كل تجمّعات شعبنا من جهة والتمثيل النسبيُّ لكلِّ قوَّة بناء على حجمها الانتخابيِّ أو التوافق على ذلك من جهة أخرى. فالمجلس الوطنيُّ تجميعيٌّ كخطوة نوعيَّة في طريق إعادة بناء م.ت.ف على أسس ديمقراطيَّة، بحيث تتسع للتحالف والتفارق، فهي وحدة متناقضة والوصول للقواسم المشتركة الممكنة سواء كانت ميدانيَّة أو سياسيَّة.

وهذا يقتضي تقبل التعدديَّة السياسيَّة والثقافيَّة قولاً وعملاً بعيداً عن التكفير والتخوين واحتكار الحقيقة.

4. تشمل التعدديَّةُ التعايشَ مع المتناقضات والحقَّ في اتِّباع نهج كفاحيٍّ واعتماد خيار المقاومةبأشكالها وبمنأى عن التفريط والتطبيع والخضوع للإملاءات والاشتراطات العاديَّة أيَّاً كان مصدرها، وصولاً إلى إغلاق البوابات على الوصاية الخارجيَّة والبحث بالجبهة الداخليَّة، واعتماد الحوار والنضال النظريِّ لتسوية التناقضات الداخليَّة بعيداً عن لغة السلاح والعنف والقمع.

5. الحرص على البعد القوميّ، فالمشروع القطريُّ العربيُّ استنفذ طاقته التقدميَّة منذ السبعينيات، والاستمرار فيه أفضى إلى توقيع السادات على “كامب ديفيد” تلاه ذبح المقاومة في بيروت في عام 82 وتوقيع أوسلو ووادي عربة، والآن التطبيع مع عدة عواصم عربيَّة،بالإضافة إلى ديناميَّة دمويَّة مرعبة لتدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن واستنزاف مصر والسودان؛ أي تدمير الأمة العربية ومقومات الحياة.

ودون مشروع عربيٍّ موحدٍ لمواجهةِ الهجومِ الإمبريالي- التكفيريّ- الصهيونيّ- الرجعيّ فمن الصعوبة بمكان إيقاف ديناميَّة تدمير الأمَّة العربيَّة.

وهناك بوادرُ عربيَّةٌ تتجاوز القطريَّةَ يُمكن البناءُ عليها لتقوية هذا المسار الذي يندرج في إطار الممكن التاريخيّ. فمن قبل كانت فرنسا 72 ولاية وأكثر من ذلك إيطاليا وأقل منها ألمانيا، ولكنَّ المصالحَ الحيويَّة وصعود قوة توحيديَّة نجحت في بناء الدولة القوميَّة.

كما يجوز إقامة أوسع جبهات التأييد العالميِّ للنضال الفلسطينيِّ؛ ففلسطين باتت ضميراً للإنسانية جمعاء.

وبناء على هذه المحددات يجري تقييم أي مركّب سياسيٍّ أو اجتماعيٍّ أو مدنيٍّ وإقامة التحالفات والاصطفافات آخذين بالحسبان مشاريع جديدة ضدَّ القضيَّة الفلسطينيَّة وفصائلها التحرُّريَّة، الأمر الذي يستدعي استنفار الجميع.

1و2 الدكتور جورج حبش.