وعد بلفور، لنتذكر الإبادة بالشكل الصحيح

٠٢ تشرين الثاني ٢٠١٧

في منتصف تشرين الأول المجيد عبر زكريا الآغا رئيس دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير عن شعوره بالأسى والسخط لعدم قبول بريطانيا الاعتذار عن وعد بلفور. وهدَّد بريطانيا بحراك فلسطينيّ رسميّ لمقاضاة بريطانيا أمام المحاكم الدوليَّة. ورأى القياديّ الفلسطيني أنَّ هذا يصب باتجاه معاداة الشعب الفلسطينيّ ويضع بريطانيا في المربع المعادي لقيم الحق والعدالة الإنسانية. 

أين التاريخ؟ 

في كتاب مهدي عامل في تمرحل التاريخ، يصف عامل النظرة التجريبيَّة للتاريخ التي تنظر للتاريخ وكأنَّه أحداث متتالية. السابق يُنتج اللاحق والأخير سبب للذي بعده. بخط مستقيم متواصل يصبح التاريخ عبارة عن مجموعة أحداث متتابعة تتابعاً خطياً حصلت فأسست للواقع، وهي بالضرورة أحداث مرئية غير مترابطة. وذكر عامل أنَّ خطورة هذه القراءة تكمن في تناسي العلاقات والبنى التي صنعت التاريخ. وإظهار للحدث المرئي دون القدرة على رؤية البنية التي يتموضع بداخلها الحدث، فالحدث هنا يُصنع اعتباطياً بشكل عشوائي، أو في حالتنا لأنَّ هناك شرير اسمه بلفور صنع التاريخ. ولذلك لا يمكننا قراءة التاريخ بشكل ملموس دون الحديث عن البنى والعلاقات التي صنعت الحدث، وأيضاً لا يمكننا إظهار الحدث على أنَّه حدث تاريخيّ أي أزاح التاريخ، إلا إذا كان الحدث قد أنتج علاقات جديدة أو غيّر بالقائمة. ومن هنا هل وعد بلفور حقاً حدثٌ أزاح مسار التاريخ؟ أم أنَّه حدث في التاريخ، ضمن بنية استعمارية طمحت لتأسيس كيان هجين وغريب عن المنطقة يعمل بشكل وظيفيّ لصالحها ويخدم مصالحها وتوسّعها وطرق نقلها وأسواقها ويبقي المنطقة في حال صراع دائم؟ 

نسيان الإبادة أمر بالغ الخطورة

في محاضرة للمفكر الأردني محمد فرج بعنوان المشهديَّة: الوهم والحقيقة، يعرض فرج المفكرين الفرنسيين جان بودريار وديبيكور، كأهمّ مفكرين بالمدرسة المشهديَّة. فيقول إنَّ نسيان الإبادة أمر بالغ الخطورة، لأنَّ نسيان الإبادة السابقة يؤسِّس لتذكُّر الإبادة الحاليَّة. ولذلك يتمّ خلق ذاكرة اصطناعية حول المأساة. ومن هنا يتمّ التعامل مع وعد بلفور وذكرى النكبة وغيرها من ذكريات، على أنَّها أحداث باردة مأساويَّة وخطيرة لكنَّها حدثت في الماضي وانتهت، وأحداث الماضي المأساوي هذه  تؤسِّس لنسيان الإبادة الحاليَّة. وهذه المشاهد المأساويَّة لا تتكرر اليوم مع أنَّها تتكرر كلَّ يوم. الإشارة هنا هي ليست فقط لإعادة الاعتبار للواقع وللإبادة الحاليَّة، وإنَّما لربط الإبادة السابقة بالإبادة الحاليَّة. فالاستعمار البريطانيّ الذي أصدر وعد بلفور لا يزال لديه مصالح امبرياليَّة بالمنطقة والتي سيدافع عنها ليس فقط بوعود وإنَّما بدماء، ولنتذكَّر هنا اجتياح العراق عام 2003. 

أما عن طابع التذكُّر للمأساة وللإبادة، فهي تأخذ شكل المهرجانات المموَّلة من المؤسَّسات والشركات الكبرى، التي تفتقر للمعنى، الصورة دون جوهر حقيقيّ لها، مهرجانات نجتمع فيها لنخلق مشهداً بكائيَّاً حزيناً مزيَّفاً يبيِّن أنَّنا ضحايا نطلب العون، والهدف الأساسيّ من هذا المشهد هو تصويره وعرضه على شاشات التلفاز لنتذكَّر أنَّ لدينا مناسبات وطنيَّة. 

الاعتذار عن وعد بلفور:

لنعود هنا للآغا ولموقف منظمة التحرير من وعد بلفور، والتساؤل الذي بدر في ذهني بعد تصريح الآغا هو: من الذي أخرج بريطانيا من المربع المعادي لقيم الحق والعدالة الإنسانيَّة (بحدِّ تعبيره) لتعود إليه إذا ما قامت بالاعتذار عن وعد بلفور؟ ألا تكفينا إبادة السكان الأصليِّين في أمريكا واستعمار كلّ العالم من ميانمار ولهند والعراق وصولاً إلى فلسطين ومصر والصومال والسودان؟ وألا يكفينا أنَّ مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، تعتبر المبادِرة الأولى في تطبيق فكر مدرسة شيكاغو النيوليبرالية، التي تعتَبر السياسات الأسوأ والأكثر إفقاراً للشعوب، والأكثر افتعالاً للحروب. ولكن علينا أن لا نتفاجأ من تناسي هذا الخطاب لكلِّ التاريخ الاستعماري الدموي وتجاهل وجوده الحالي، فهذه المعاداة لقيم الحق والعدالة الإنسانيَّة لا يراها من طبَّق هذه السياسات الاقتصاديَّة النيوليبراليَّة وتبناها في قانونه الأساسيّ، وأفقر الشعب الفلسطينيّ وأثقله بالديون. وبالمناسبة الآغا حاول فقط تقليد محمود عباس الذي يطالب يوميَّاً باعتذار بريطانيا عن وعد بلفور وباعترافها بالدولة الفلسطينيَّة. والطريف هنا أنَّه كما أنَّ الاعتذار -وإن قدَّمته بريطانيا- لن يغيِّر الماضي، فالاعتراف بالدولة الفلسطينيَّة أيضاً لن يغير الحاضر وسيبقي "الدولة" الفلسطينيَّة مشوَّهة وبعيدة كل البعد عن تصوُّرنا عن فلسطين.

الخاتمة

ليس المقصود والمطلوب هنا نسيان وعد بلفور، وإنَّما العكس، فعلينا تذكّره بالشكل الصحيح. تذكّر وعد بلفور لا يكون بطلب الاعتذار، وإنَّما بكشف الدور الاستعماريّ المنصرم والراهن للامبريالية البريطانيَّة بالمنطقة، ومن ثمَّ التأسيس لدكِّ مصالح هذه الامبريالية ودكّ أدوات تحقيق هذه المصالح. ولنتذكر دائماً أنَّ بريطانيا وفرنسا وغيرها من الدول الاستعماريَّة ليست دولاً محايدة ولم تكن أبداً، لذلك علينا أن لا نطلب منها أن تقف بالحياد أو أن تدَّعي الحياد وتنظِّف تاريخها وواقعها الدمويّ باعتذار هنا أو هناك. هذه الدول هي في اصطفاف معادٍ لحقوقنا وفي معسكر أعدائنا ولن يصبحوا في معسكرنا من خلال استجدائهم والاستمرار في دور الضحيَّة أمامهم وأمام حلفائهم. وتجربة شهيد الحركة الأسيرة الايرلندية بالسجون البريطانيَّة بوبي ساند تثبت أنَّ ذرف الدم بدل الدموع هو ما يخيفهم ويعيدهم خطوات إلى الوراء.