يا عزيزي.. نحنُ مَرضى بالاغتراب

١٨ تشرين الثاني ٢٠١٦

“يا ريحُ، كيف جلبتِ لي بردَ المساءْ
يا ريحُ قاسيةٌ خطاكِ
ومفزعٌ هذا البكاء”.

ممدوح عدوان

شعورٌ سرطانيّ يكبر بيننا كلّ يوم، يعذّبُ أرواحنا ويشوّهُ عقولنا ونضطرُّ خانعين أن نتعايش معه، إنّه الاغتراب الذي يقتلنا ببشاعة، الاغتراب المستمرّ في تشويه أرواحنا منذ أجيالٍ بدأت مع بدايات القرن الماضي، الاغتراب الذي يحوّلنا إلى مسحوقين ومرضى نفسيّين في مكانٍ يسمّى فلسطين.

الاستعمار ليس فقط أراضٍ استُعمِرَت خلال فترتين في عامَي1948 و1967، وتهجيرًا قسريًا، وخلخلة للبُنى المجتمعيّة لشعبٍ واقعٍ تحت قوّة غاشمة وتحويله إلى أشلاء. إنّه ليس فقط تشويهًا وقتلًا للذّات الوطنيّة وتقسيمًا وتفتيتًا للشرق العربيّ وهيمنةً غربيّة، وليس فقط استعماراً استيطانيّاً إحلاليّاً يستخدم خرافات وأساطير دينيّة لبناء أمّة مصطنَعة، إنّما أيضًا- ومن مجمل مفاعيله – شعبٌ واقعٌ تحت الاستعمار يعاني من صدمات نفسية متكرّرة ويكابد إحساسًا مميتًا راسخًا اسمه “الاغتراب”.

من الجيّد أن نعترف جميعنا بأنّنا نعاني منه، فنحن الفلسطينيّون – وبغضِّ النظر عن أماكن تواجدنا في فلسطين التاريخيّة، وبغضّ النظر عن لون بطاقاتنا الشخصيّة ووثائق ترحالنا أو جوازات سفرنا، نعاني من إحساسٍ مُزمن قاتل اسمه “الاغتراب” ينهشُ بنا يوميًا وبكلّ ساعةٍ ودقيقةٍ ولحظة. في الضفّة، في الداخل، في الشمال، في النقب، في القدس..هل يا ترى من الممكن اختزال قصّة اغترابنا في مدينة القدس لنرسم صورة شاملة كاملة في فلسطين؟

كمقدسيّ، ماذا تعني لي الأحياء الغربيّة في القدس؟ وماذا تعني لي مستوطنات محيطة بنا في الأحياء الشرقيّة؟ ماذا تعني إلّا إحساسًا لانهائيًا بالاغتراب في شوارعها ومرارة الهزيمة والشعور المذِلّ بالانكسار، وجلد الذات المُفزع. اغترابًا يزداد قهرًا وقسوةً في الطالبيّة والقطمون والبقعة وحيث بقيت بيوتًا عربيّةً شاهدةً على من سكنوها قبل النكبة. اغترابًا يزداد عمقاً وحِدّة في مأمن الله وأمام واجهة المجلس الإسلاميّ الأعلى في القدس. عالمٌ منفصلٌ غريبٌ مشتّت، عالمٌ مربِكٌ وإقصائيّ، لا ندخله كمقدسيّين إلّا على هيئتين، فإمّا عمّالاً مقهورين مستَعبدين في مطاعمه وفنادقه، وعمّالَ نظافة وبنّائين داخل ورشات البناء، أو مستَهلِكين غرباء في مراكزه التجاريّة. اغترابٌ يقتلنا في عالمٍ ملاصق لنا وبعيدٍ عنّا في آن، لسنا منه وليس منا، نعاديه ونتمنّى زواله، لكنّنا نعيش داخله ضمن قوانينه المسيطِرة وسطوة أدواته الاستعماريّة القاسية.

لا يقتصر شعور الاغتراب فقط عند تماسّنا اليوميّ مع الاستعمار، ومع احتكاكنا المستمرّ بمؤسّساته وأدواته المهيمِنة، إنّما أيضًا بين نسيج الشعب الفلسطيني الواحد الواقع تحت رحمته. فيتوسّع هذا الإحساس ويمتدّ ببشاعته كالسرطان ليشوّه “الذات الوطنيّة” سواء على مستوى الفرد أو مستوى الجماعة، فينعكسُ بشكلٍ حياتيّ ويوميّ في تعاملاتنا ونظرتنا الذاتيّة ضمن إطار الشعب الواحد، وفي كاملِ فلسطين التاريخيّة، ليصبح الفلسطيني القادم إلى مدينة القدس من الأراضي المُستَعمَرة عام 1948 أو من ما يسمّى الضفّة الغربيّة، مجرّد زائر يمرُّ سريعًا في أيّام الجمعة وليالي رمضان من كلّ عام. زائرٌ سائح لا يرى في القدس شيئَا إلّا صلاةً في الحرم القدسي الشريف، وهدايا تذكاريّة رخيصة من على بسطات باب العامود. هوةٌ اجتماعيةٌ حقيقيّةٌ مفزعة، فعين السائح لا ترى الا ما تريده وتختزل كلّ المعاناة بتحقيق “الرباط” في المسجد الأقصى. وفي المقابل لا يُنظر إلى ابن القدس سوى مصدرًا ماليًا وفائدة تجاريّة حتّى وإن كانت غير مجدية اقتصاديًّا. اغترابًا داخليّاً بائساً بكون الآخر “الفلسطيني” قادم من عالمٍ آخرٍ بعيدٍ لا يشبهنا وغريب عنّا. ويتجدّد الاغتراب بطريقة أخرى عند وجودنا في مدن الضفة لنسمع تعليقات غريبة واستفزازيّة: “إنتوا ليش هون؟ .. ليش بتحبّوا تيجوا عنا؟.. نيّالكم، انتو معكم مصاري كتير”.

أمّا الأراضي المستَعمَرة عام 1948، فعلاقتنا بها تتوثّق فقط خلال الأعياد وعطلات نهاية الأسبوع بالزيارات السياحيّة والجولات الترفيهيّة، فلا نلمس من ذلك العالم الآخر سوى السباحة في بحرٍ كان لنا، واستمتاعاً بقوارب مطاطيّة في نهرٍ كان لنا، ونزداد اغتراباً في عالمٍ كان لنا.

إنّ شعور “الاغتراب” تجاه الفلسطيني” الآخر” ليس بالضرورة أن يكون منتميًا إلى “هناك” البعيد، إنّما قد يكون الفلسطيني القريب من “الغيتو” المجاور داخل المدينة الواحدة، ليخلق الاحتلال شعورًا مضاعفًا عميقًا لمعنى الاغتراب، بتفكيك النسيج الداخليّ في المدينة نفسها. يحاول الاحتلال بشكلٍ حثيثٍ مستخدماً كلّ عتاده وأجهزته وأساليبه في الحرب النفسيّة على تفتيتنا وتحويلنا الى مجموعات متناثرة وأشلاء مجتمع منعزلين في “غيتوهات” يفصلها جدار الفصل العنصريّ وأحياء المستوطنات. “غيتوهات” يتلقّى سكّانها صدمات حياتيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لا تنتهِ، فيهتزّ الاستقرار المجتمعيّ بشكلٍ مستمرّ، وتتزعزع الذات الفلسطينيّة بشكلٍ دائم. هنا يصبح لكلّ “غيتو” نظرة مغايرة ” للآخر” الفلسطيني ليتعمّق شعور الاغتراب ويخلخل النسيج المجتمعي الواحد، بين ابن المدينة ولاجئها، وبين البدويّ والفلّاح، وبين ساكني كفر عقب وبيت حنينا، وبين حارة النصارى وباب حطة!

يقول فرانز فانون في كتابه بشرة سوداء وأقنعة بيضاء أن: “التجربة الاستعماريّة تمحي إحساس المستعمَر بالذات وتغلّفه كمادة محطّمة”، فما الحلّ؟ وكيف نحاول تخفيف حدّة الغلاف والحطام؟

طالما بقي الاستعمار، سنبق مرضى نفسيّون، نعاني من شعورِ الاغتراب الأبديّ، لكن مع ذلك- وعلى الأقل- نحن قادرون على التصدّي والتغيير وعلى الحفاظ على جذوة الصمود والثبات، قادرون على نشر الوعي وتكثيف التعاضد المجتمعيّ، وقادرون على الوقوف ضد أنماط سلوكيّة استسلاميّة وتعزيز نهج الثبات وقيم الصمود. ولأنّنا لم نمت بعد فإننا قادرون وقادرون وقادرون… هذا ما يخبرنا به التاريخ.